الفراق

بقلم /ميرنا درويش 

انسدال الستائر معلنة نهاية ما... نهاية قصة أو ربما نهاية حياة..،مشهد يكسر قلب كل من يتذكره مرارا و تكرارا.... قد وصفه البعض بأنه اقتلاع للقلب من مكانه... 
هو اقسي إحساس يمر به المرء ، ولا يشترط هنا ظهور الموت بطلا من ابطال القصة... فما أكثر من هم احياء-أموات ، اجساد بلا ارواح محيطة بنا نتعامل معها يوميا دون أن نشعر بافتقادهم للحياة... 

هو العين الجارية الّتي بعد ما أخضرّ محيطها نضبت ، لسانه الدّموع، وحديثه الصمت ، نارا  ليس لها حدود، لا يشعر بها إلا من اكتوى بنارها ،حزن كلهيب الشّمس يبخّر الذّكريات من القلب ليسمو بها إلى عليائها، فتجيبه العيون بنثر مائها باكية؛ لتطفئ لهيب الذكريات.. 
هو القاتل الصّامت، والقاهر المميت، والجرح الّذي لا يبرأ، والدّاء الحامل لدوائه ، يقتلك وأنت صامت، فهو جرح لا يلتئم، ومرض ليس له دواء.

الفراق، هو الموت وأنت ما زالت فيك الروح، وهو أن تنسى معنى الفرح والضحك، ويكبر عمرك وأنت تعيش نفس اللحظة، الفراق مثل الحب الذي لا نستطيع أن نعبر عنه،  و هو مرارة الموت وألمه، و ظلام الكون بعد أن نفارق الحبيب، به نشعر كأن العالم أصبح خالي من الأصوات والناس، فالفراق مؤذي للقلب ومتعب.. 

شعور الفراق وأن يمكث الإنسان وحيدً، بعدما كان يقضي أيامه مع من يحب، هو شعور صعب ومؤذي، وخاصة عندما يفترق عنا الحبيب، أو الأهل، أو صديق مقرب، فنعاني من ألم الفراق ونشتاق لهم، و نفتقدهم ، لكن المسافات تفصل بيننا، سواء كانت مسافات بيننا على الارض أو حتي في السماء ،ان المحيط يفصل الأراضي عن اليابسة، ولكن لا يفصل بين الأرواح التي تعيش عليها و لا يفصل بين الارواح التي تركتنا و صعدت لخالقها... 
فراق الأشخاص المحببين إلينا يكون بمثابة الجرح الذي يظل ينزف بمرور الأيام، وكلما مر الوقت وبعدت المسافات بيننا تظل الذكرى تكبر بداخلنا، ويزداد ألم قلوبنا، وتمر بنا لحظات نبتسم ابتسامة تخرج معها دموع العينين.

الفراق ليس بهين ويمر بكل إنسان في هذه الحياة، فلا نستطيع أن نمنعه أو نأخره، وهو من أكثر المشاعر التي تصل بالإنسان لتعب نفسي شديد، إذا لم يستطيع الإنسان أن يتجاوز الألم الذي يمر به بعد الفراق فأنه سيظل محاصر في سجن الذكرى للابد، فالمسافر يعود، والبعيد يصبح قريب، لكن الفراق يظل أثره محفور بقلوبنا دائمًا ولا يمحي هذا الأثر أي شيء، فلا نستطيع رؤيتهم، أو النظر بعيونهم، أو احتضانهم ، نفقدهم و نفتقدهم.. 

الفراق صعب جداً لكن الأصعب من الفراق نفسه هو عندما يكون هذا الفراق حل نسعى إليه ونمشي نحوه مرغمين، لأنه لايوجد حل وراحة لنا إلّا به.. 
الوداع والهجر من أقصى اشكال الفراق وأصعبها على النفس، ويستمر ذكراها توجع القلب وتبكيه.. 
أن تفارق من تحبهم يعني أن تموت وأنت على قيد الحياة، يعني أن تنسى كيف تفرح، وتشيخ قبل أوانك، فالفراق هو الموت الصغير ، عندما نفقد من نحبهم بالفراق فإن الحياة تموت وقلوبنا تموت أيضًا.

و ما أكثر المرات التي نسمع فيها كلمة فراق ، و لكن يختلف معناها من شخص لأخر، البعض يعتبر وداعه لشخص مسافر فراق ، و عند البعض يتحقق معناه بفراق الحبيب لحبيبته بعد قصص و حكايات و أمنيات و أحلام كثيرة كانت بينهم و لكن تدخل الفراق هادما لتلك القصة ، موقظهم من لذة الحلم الجميل مانعا تحقيقه ، و عند البعض يعد تركهم للمنزل أو لأي شئ عزيز على قلبهم بعد صنع الذكريات ، فراق...

و لكن أصعب أنواع الفراق ، هو فراق الروح للجسد و التي ليست مشروطة بالموت فقط ، فمن الناس من يفقد نفسه و يظل يبحث عنها كثيرا و يفتقدها كثيرا و يشتاق لكل اللحظات التي عاشها من قبل ، و يفقد الامل بالعثور على ذاته المفقودة ،فينتهي به الأمر بالاستسلام لفراقها للابد...
الفراق معانيه كثيرة ، تختلف من شخص لأخر ، و لكل معني مدلول،و درجة قوة أو ضعف...

تتعدد أسباب الفراق لكن مهما اختلفت الطرق فالنتيجة واحدة وهي الفراق، ولا يشعر بمعني الفراق والبعد إلا من عاش هذه اللحظات، ومر به ألم الفراق، فالأوقات بعد فراق من نحب تمر ببطء شديد وتكون أيامنا قاسية بدونهم، وقلوبنا حزينة مشتاقة لهم.

إلي من يعاني من الم الفراق.. 

الوقت يدواي.. 
في الواقع ، الوقت أحيانا كثيرة لا يداوى ولا يساعد علي النسيان ، بل أحيانا يكون الوقت أكبر عدو يواجه الشفاء من ألم الفراق ، الذكريات تظل تلاحقنا، و الاماكن تذكرنا ، و الكلمات تتردد علي مسامعنا ، الاشتياق يزيد اشتغال نيران الفراق... 
لذلك الوقت وحده ليس بالعامل الأساسي في الشفاء.. 

ابق قويا.. 
لا يجب أن تبق قويا ، يجب أن تكون حقيقيا ، تحتضن آلامك و تعترف بضعفك و معاناتك ، و أعلم بأنك كالمريض الذي يحب ان يعترف بالداء حتي يساعده الدواء ، إن ظللت تتهرب من وجعك و تتحاشاه سيكبر و يزيد و يصبح كالجرح الملوث الذي يتفاقم لأنه لم يتم علاجه و تطهيره في الوقت المناسب.. 

كفي حزن و بكاء.. و إفراط في التفكير.. 
خطأ كبير ، أحزن و ابكي و تألم ، هذا من ابسط حقوقك، لا تهرب من مواجهة آلامك...
مع الاسف لو كان الهروب هو الحل.. لأصبح البشر جميعا هاربين من آلامهم و اوجاعهم... الهروب ليس الحل ولا دواء الأوجاع... هروبك مما يؤلمك سيؤلمك أكثر ،لا تهرب ، تألم حتى تشفى...

إن الحزن والاسى لفقدان شخص عزيز هي تجربة شخصية جدا وذاتية، ولا يوجد طريقة صحيحة أو خاطئة للحزن ولا جدول زمني أو خطوات متسلسلة ،و لكن هناك عوامل أساسية تساعد علي الاستشفاء في وقت الحزن علي فقدان عزيز.. و هي :

أولا :عامل شخصي personal factor:
تحتاج التعلم عن الم الفقد و كيفية التعامل معه من خلال القراءة ، ساعد نفسك بتطوريها و تطوير أفكارك و مشاعرك ، و ان لم تستطع فعل ذلك بنفسك ، فحتما سوف تستطيع فعل ذلك بعد طلب المشورة و العلاج من متخصص..

ثانيا : عامل روحاني spiritual factor : 

الانسان لانه محدود وضعيف هو بحاجة دائما لقوة اكبر منه تساعده على التغيير والشفاء .. 
الانسان بحاجة دائما لخالقه  كي يصلح ما افسدته الحياة وجروحها .. 
انت في احتياج قهري للصلاة والدعاء  من خلال علاقة وثيقة بالله بشكل يومي .. 

ثالثا : عامل الدعم support factor : 
يجب عليك الحصول على علاقات دافئة تساعدك علي الاستشفاء ، تكون فيها علي درجة عالية من الراحة التي تساعدك علي الفضفضة ، علاقات تجد فيها الحضن الدافئ و الطبطبة بدون احكام أو وعظ أو لوم ولا حتي نصائح.. 
حتي و ان كانت علاقة واحدة أمنة مع شخص حقيقي تكفي في رحلة الاستشفاء..

كن قوياً حتى لا يشفق عليك أحد... 
‏إحتفظ بقلبك لشخص يستحقك... 
لا تعاتب أحدا، لأنّ الجميع يدرك ما يفعله.. 
‏لا تبالغ في حبك للناس حتى لا تنكسر... 
‏لا تراقب مكانًا لم يعد لك، رحمة بقلبك... 
‏إعتدل فى كل شيء إلا عزة نفسك، إطغَى... 
‏إقرأ من القرآن بقدر ما تريد من السعادة.... 

فرقت الأيام بينكما ،فلا تتذكر من كنت تحب إلا بكل إحساس صادق، ولا تتحدث عنه إلا بكل ما هو رائع ونبيل، فقد أعطاك قلبا، وأعطيته عمرا، وليس هناك أغلى من القلب والعمر في حياة الإنسان... 
"وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ" صدق الله العظيم 

و إلي كل المحيطين بشخص يعاني الم الفراق.. 

و خاصة في حالة إن كان الفقد بسبب حالة وفاة..لا يجب استخدام عبارات مثل.. 
(هو في مكان احسن) 
لأن الفاقد يعلم إنه في مكان أفضل و لكنه يريده معه هنا..
(اصل الناس الحلوة بتمشي بدري) .. (ربنا عاوزه عنده ،انت هتعترض على إرادة ربنا) 
ترسيخ فكرة ان الأشخاص الطيبون هم فقط من يرحلون عن عالمنا يجعلنا دائما في حالة رعب على الأشخاص الغالية على قلوبنا بأنهم سيرحلون مبكرا.. 

و إلي من فارقني :

ليس لدي فكرة لماذا تركتني بسهولة؟.. لقد تركت وحدي لذلك لم يكن لدي أي خيار سوى السماح لك بالرحيل ، أخبرني ، كيف يمكنني إجبار شخص ما على البقاء إذا كان لا يريد أن يتم الاحتفاظ به؟
لقد أعطيتك كل الفرص و بذلت كل ما في وسعي و ما يزيد عن تحملي ،  لكنني أعتقد أنه لم يكن كافيا ... لم أكن كافيا أبدا.
أخبرني من حولي انه ، عندما لا يزعجك غياب شخص ما، فهذا يعني ان وجوده لم يكن مميز او هام لك أبدا في المقام الأول،
قررت أخيرا السماح لك بالرحيل عندما أدركت ذلك ، لأنه بينما كنت أبكي نفسي للنوم في الليل أفكر في طرق حول كيفية الحفاظ عليك ، كنت تبحث انت عن مبررات كثيرة تساعدك علي خسارتي...

لو فصل الزمان بيننا وأبعدنا عن بعضنا فالذكريات التي كانت بيننا حية لا تموت ، و حتى لو أخذتك الايام بعيدا وكان ما بيني وبينك فراق بحجم مجرة ستبقى حاضراً في قلبي وذاكرتي.. أشعر بغصة في عمق فؤادي ، قاسية هي الحياة من بعد فراقك. 

امان العلاقات يكمن في انه مهما حدث من خلافات لا  تشعر أبدا بخوف من الفراق ، و لكنك فارقتني...
كان فراقنا أبشع من جميع نهايات القصص  التي قرأتها، كان الوداع لزاماً علي، ولكنني لم أكن أريده ،  تركتني ورحت أنظر إلى صورتك أمامي، أسترجع ذكرياتي الجميلة والّلحظات الحلوة الّتي جمعتنا معاً، كم فرحنا، وكم بكينا، وكم واجهتنا صعوباتٌ اجتزناها معاً، لكن علّمني هذا الزّمان أنّ الحياة ليست إلّا مجموعة صور.

هل ترى  لم يقتلنا البعد، ولن يقتلنا، سنعتاد عليه شيء فشيء، وسنجد من هم أولى بقلوبنا منا ، إذا زرت موضع الفراق في قلبي ستجده أسود، متفحم، كأن حريقًا هائلًا قد شب فيه ،قد أبدو قوية متبلدة الأحاسيس، قاسية كجبلٍ راسخٍ في عمق الأرض، لكن بداخلي قلب ممزق لألف قطعة من الم الفراق  ، مع الأسف ورغم كل الحب الذي كنت أكنه لك، لكن الفراق علمني أن أكون صارمًا مع من فارقوني، أو يكون الفراق صارمًا في تأديبي،
من الأفضل لك أن تواجه الحياة بدوني ،أنت من رسم طريق الفراق بكل دقة، فلا تعتذر ولا تعد، لا ترحل بدون سبب وتعود بدون موعد، وتتوقع أن مكانك لن يتغير. 
لم يقتلني غيابك، لكن يقتلني تمرد قلبي بالحنين إليك، 
فسأكتفي بالصمت لأن جروحي أكبر من كل الدموع الموجودة بعيون البشر. 

الفراق لعنة تطاردني ليل نهار، قبل أن أنام، وعندما أتناول الطعام، وعلى باب كل مكان مشينا فيه ،فقد هجرت بعض أحبتي طوعاً لأنني رأيت قلوبهم تهوى فراقي، نعم أشتاق ولكن وضعت كرامتي فوق اشتياقي.

في النهاية :

عند الفراق، اجعل لعينيك الكلام فسيقرأ من أحبك سوادها، واجعل وداعك لوحةً من المشاعر، يستميت الفنّانون لرسمها ولا يستطيعون، فهذا آخر ما سيسجّله الزّمن في رصيدكما. 
اذا اكتشفت أنّ كل الأبواب مغلقةً، وأنّ الرّجاء لا أمل فيه، وأنّ من أحببت يوماً أغلق مفاتيح قلبه وألقاها في سراديب النّسيان، هنا فقط أقول لك إنّ كرامتك أهم كثيراً من قلبك الجّريح حتّى وإن غطّت دماؤه سماء هذا الكون الفسيح و هنا عليك بفراقهم ، فلن يفيدك أن تنادي شخصا لا يسمعك، وأن تسكن بيتاً لم يعد يعرفك أحدٌ فيه، وأن تعيش على ذكرى إنسان فرّط فيك بلا سبب، لا تفرّط فيمن يشتريك، ولا تشتري من باعك ولا تحزن عليه، لاتحزن اذا جاءك سهم قاتل من أقرب الناس لقلبك فسوف تجد من ينزع السهم ويعيد لك الحياة والابتسامة ، و أعلم ان الشخص الذي يحب يبقى ولا يرحل لأي سبب من الأسباب، والشخص الذي يتظاهر بالحب ولا يكون من داخله يفارق عند أول سبب. 
بعد الفراق لا تنتظر بزوغ القمر لتشكوا له ألم البُعاد؛ لأنه سيغيب ليرمي ما حمله، ويعود لنا قمراً جديداً، ولا تقف أمام البحر لتهيج أمواجه، وتزيد على مائه من دموعك؛ لأنّه سيرمي بهمّك في قاع ليس له قرار، ويعود لنا بحراً هادئاً من جديد، وهذه هي سنّة الكون، يوم يحملك ويوم تحمله.

تحمل كلمات الوداع معها كل مآسي البشر على وجه الأرض، كل آلامهم وآهاتهم وجراحهم، هي أصعب ما يمكن أن يحدث للإنسان، ما أصعب أن تبكي بلا دموع، و أن تذهب بلا رجوع، وما أصعب أن تشعر بضيق، وكأنّ المكان من حولك يضيق ، ليتنا نعيش في عالم ليس فيه وداع، ليس فيه حزن، ويبقى فيه اللقاء هو الشيء الوحيد للأبد، فراق الأحباب دائماً مقترن بالشوق، والشوق آفة الألم، والألم يعصر المُهَج، ويقطع القلوب.. 
              فاللهم لا فراق ولا شقاق ولا وداع يؤلمنا...

أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع