دراسة فى القصة القصيرة ( مفتاح بيت الوليد ) بقلم الشاعر/ أحمد فخري الاسوانى


اولأ / النص القصصي 
 مفتاح البيت ..ذلك الكائن الذي يظهر في بعض الأحيان .. ويختفي في البعض الآخر .. لم نكن نهتم به ، أن وجدناه في غير أوقات الحاجة إليه .. لذلك كنا نراه ينام على كنبة البيت ، أو يندس بين ملابسنا .. كنا نلمسه .. ونربت علي فروته .. فنشعر به ينتفض بين أيدينا .. نحركه ذات اليمين وذات الشمال .. فنراه يضحك من الفرحة ..كان الاحتفاظ به مشكلة كبيرة .. لذلك علقته زوجتي بجانب الباب ، قبل أن تموت ..كنا نجده باستمرار .. عندما كانت رائحة زوجتي تملا المكان ، تفرض وجودها .. تتمدد وتحيط بناء .. كانت أشبه برائحة البرتقال مخلوطة براحة التمر حنة .. يد زوجتي تعبث في أرجاء البيت .. وتعيد ترتيب المكان ، كما يحلو لها .. هي وحدها تعرف أماكن الأشياء .. لم أهتم لذلك .. ولا بفروه المفتاح .. والتي صنعتها على عجل .. فتركت خيط طويل يسير كذيل فأر .. كانت ألوان ألفروه مختلفة عن ألوان ملابسنا .. لذلك ذهبت زوجتي إلي جارتنا الصغيرة .. لكي تختار لها ألوان ألفروه .. فقط كانت تعتقد أن لكل بيت ألوانه ، التي تختلف عن ألوان كل الناس .. كانت تقول إن الألوان هي التي تختارنا .. ونعيش فيها .. إنها ألوان لا تتغير مهما طال الزمان .. لذلك كانت تقول دائما : انه عندما يتزوج الإنسان يختار بجانب أشياء كثيرة يختار ألوان الحياة ، التي تنتج من عالم غيبي يحدده الزوج والزوجة .. كما هي رائحة البيت ، حيث لكل بيت رائحة مميزة .. تختلف من بيت إلي بيت .. من حارة إلى شارع ، إلى مدينة .. كانت تقول أن رائحة بيتنا مصنوعة من القرنفل وقشر البرتقال .. إنها رائحة مختلف .. تشمها الملائكة كل مساء .. لذلك لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة إن يسلبنا رائحتنا أو ألواننا . ساءلت الأولاد عن رائحة المكان بعد أن رحلة زوجتي .. لكنهم كانوا يشيرون لي بإشارات مختلف .. لم أفهم منها شيء .. هم لا يرفعون أعينوهم عن أجهزة المحمول . حدث أن سمعت في أحد الأيام .. صوت خطوات على أرضية الحجرات .. انتبهت وكاد قلبي من الفرحة .. يسقط بكوب الحليب بجانبي .. في العادة كنت أراه يظهر لي .. يسقط سقوط مدوي على البلاطات .. ويتحرك حركة عشوائية .. فأراه وأقبض عليه .. وأفرح به .. لكن الخطوات بدأت تبتعد رويدا رويدا .. هربت الفرحة الزائفة .. وأصبحت الخيبة أكثر وضوحا ..لذلك صرخت .. كنت واقفا في وسط البيت ، وصرخت .. أنتبه الأولاد وتركوا ما كانوا يفعلونه .. تحسست تجاعيد وجهي فتبنيت أني كبرت .. راحت أعد عدد الأيام التي غبت فيها عن واقعي .. أنسل الأولاد من حجرات البيت ، تجمعوا حولي .. أدركت أن الولد الأوسط يرتدى نظارتي القديمة .. والتي جاهدت طويلا للحصول عليها .. كنت مجهد وأحس بتعب يركن جسده على جسدي .. تطلعت إلى البنت والتي ظهرت عليها علامات الأنوثة .. التي لم أرها من قبل .. لكن الشيء الغريب أن بطنها كانت مرتفعة .. هل أتراجع وأغلق ملامحي ، وأنظر إلى الأرض .. وأتمتم بأنه لم يحدث شيء .. وأنها صرخة خرجت دون إرادة مني ..أم أقف وأشاهدهم بعد أن تغيرت ملامحهما .. وان القصير أصبح طويلا .. والبنت أصبحت أنثي ، وبطنها ارتفعت على غير العادة .. والسؤال متى حدث ذلك ؟ وأين كنت ؟ أحسست أنهم يحاولون محاصرتي ، كانوا يتفحصون وجهي ليشاهدوا أثر تلك الصرخة – قلت بصوت محتقن : أين مفتاح البيت ؟ نظر الأول إلى الأخير ولو بوزه ، ولم يهتم – قلت لهم إذا لم أجد المفتاح سوف أفصل ألنت . انتبهوا جمعيا .. وأدركوا أنهم أمام حدث كبير ..حدقوا بدهشة .. أدركوا أنني لا أمزح .. وإنني في المرة السابقة قمت بفصل ألنت ثلاثة أيام كاملة .. حداد على وفاة زوجتي .. لذلك بدوا رحلة البحث الأولى .. هي البداية ولكل بداية بداية ..نظروا في رائحة الحجرات .. وتبينوا أنها رائحة الهواء المحبوس ، حين يدركه العفن .. الرائحة تنتشر من تحت الحوائط إلي عتبة الجنبات الضيقة .. إنها المناطق التي لا تجرؤ الشمس من الاقتراب منها .. تسربت الرائحة إلى شقوق الجدران ، بين الطلاء المتساقط .. والرسوم القديمة ، وبقايا خربشات زوجتي .. كانت الرائحة تنام على أطر الصور القديمة .. حيث تبدو زوجتي وهي تبتسم .. ابتسامتها الحلوى .. بينما رائحة هشة تفوح من قوارير عطر فارغة .. وبقايا الحنين لقطع القماش والملابس المتناثرة في كل مكان بالحجرات . كانوا ينتشرون في حركات سريعة يبحثون هنا وهناك .. وفي سرعتهم اكتشفوا أنهم لا يعرفون لحظات كثيرة مرت عليهم .. لحظات وصور كونت تاريخ مشترك .. لعائلة تحلم بواقع حقيقي .. ينتظره الغياب .. عائلة تركت الوقت للإهمال .. يسري بين ...........
ثانيا / القراءة داخل النص 
مفتاح بيت الوليد قصة قصيرة خواطر نقدية قراءة في قصة مفتاح بيت الوليد للقاص المبدع محمد الليثي محمد بداية إذا كان الشعر والقصة القصيرة / الرواية هما قطبي العملية الإبداعية لما يمتاز كل منهم عن الأخر في البنية والأسلوب والشكل فالشعر من المعروف انه يعتمد علي الوزن والقافية في التعريف الكلاسيكي له بينما القصة تعتمد علي السرد في بنيتها التركيبية ولكني أري أن هناك اختلاف اخر ويكمن هذا الاختلاف في أن الشعر يعتمد علي الشعور والحالة الشعورية التي تنبع من الشاعر نظرا لتفاعله مع المجتمع المحيط به ومع قضاياه المختلفة سواء علي المستوي الشخصي او المستوي العام بينما القصة القصيرة هي نتاج رؤية وفكر المبدع فالقصة القصيرة اري انها فكرة يعبر عنها القاص ببناء عالم متخيل قد يكون كله ظاهر للقارئ او يسلط فيها المبدع الضوء علي الجزء الذي يخصه من هذا العالم فيمكننا القول ان القصة هي فكرة بينما القصيدة هي حالة وبرغم ان الحدود بدأت تتلاشي ما بين القصة والقصيدة فتخلت القصيدة عن الوزن والقافية فيما يعرف بالقصيدة النثرية واتجهت القصة إلي الشاعرية فيما يسمي بالقصة الشاعرة إلا أن الحدود مازالت واضحة لمن يمعن النظر في تركيب القصة وتركيب القصيدة فالحدث هو الأساس في القصة بينما لا يشترط ابدا وجود الحدث ظاهرا في القصيدة واعتقد ان الأهم في القصة ليس الحدث فقط ولا يمكن اعتبار دور القاص ان يسرد لنا الحدث فقط ولكن ما يهم في القصة ان تشرح لنا لماذا حدث هذا الحدث وما الذي أدي إلي حدوثة فالقصة هي مجموعة من الاحداث الصغيرة المتعاقبة والمتلاحمة لكي تعطي في النهاية الصورة الكلية للقصة القصيرة كما ان للقصة شروط وضوابط يمكن الحكم عليها والنظر إليها عند التطرق إلي نقدها ربما هذه المقدمة مهمة لقراءة هذه القصة التي بين أيدينا ففي هذه القصة نري شاعرية واضحة واستخدام أساليب شعرية مثل انسنة الأشياء واللغة التي يغلب عليها الشاعرية ولكننا لا يمكن ان نري إلا أننا امام قصة قصيرة بكل ما تحمل الكلمة من معني فلنري ماذا أراد القاص ان يعبر عنه بقصته مفتاح بيت الوليد في البداية لو نظرنا إلي عنوان القصة نجد انها مكونة من ثلاث كلمات كلمتين منهما نكرة وكلمة معرفة بال فكملة مفتاح وكلمة بيت هما كلمتين جاء بهم القاص محمد الليثي نكرة بدون تعريف وكأنه يريد أن يخبرنا من البداية انه سوف يتحدث عن مفتاح كل بيت والمفتاح هنا رمز واضح يعبر عن أشياء مختلفة ونجدها هنا جاءت للتعبير عن العمومية فكأن القاص يمهدنا لكي نقرأ ما بين السطور ثم كلمة بيت والتي جاءت أيضا نكرة وكأنه يقول ان هذا المفتاح هو مفتاح كل بيت حتي ان كلمة الوليد التي جاءت معرفة توحي بالشمولية وانه لا يتحدث عن الوليد كاسم ولكن عن ما هو قادم ونجد أن افتتاحية القصة كما افتتحت بها القاص مفتاح البيت .. نجد انفسنا هنا امام سؤال مهم يضعه القاص في اذهاننا وهو ما هو مفتاح البيت؟ النقطتين التي وضعهم القاص لكي يتيح لنا فرصة للتساؤل عن ماهية هذا المفتاح الذي يقصده القاص ونجد ان القاص قسم قصته إلي مقاطع في المقطع الأول يتحدث فيه عن وصف هذا المفتاح الذي صنعته الزوجة وصنعت له فروة فهذا المفتاح ليس مفتاح عاديا كما يخبرنا القاص فهو كما يقول ذلك الكائن الذي يظهر في بعض الأحيان .. ويختفي في البعض الآخر .. لم نكن نهتم به ، أن وجدناه في غير أوقات الحاجة إليه .. لذلك كنا نراه ينام على كنبة البيت ، أو يندس بين ملابسنا .. كنا نلمسه .. ونربت علي فروته .. فنشعر به ينتفض بين أيدينا .. نحركه ذات اليمين وذات الشمال .. فنراه يضحك من الفرحة يظهر أحيانا ويختفي أحيانا حتي اصبح اهل البيت لا يهتمون به فهو دائما موجود عندما يحتاجون إليه فهو ينام علي كنبه البيت ويضحك من الفرحة فهذا المفتاح الذي صنعت ربة البيت له فروة خاصة ليس مفتاح عاديا بل اعتقد انه يعبر به عن الزوجة فالزوجة هي مفتاح سعادة البيت وتعاسته ومفتاح اجتماع شمل العائلة ومفتاح الفرحة والسعادة في البيت ويختم القاص هذا المقطع باختفاء المفتاح مع رحيل الزوجة وتحول أحوال البيت بعد غيابها ثم ياخذنا القاص الي رمز اخر وهو اللون والرائحة فيقول حيث لكل بيت رائحة مميزة .. تختلف من بيت إلي بيت .. من حارة إلى شارع ، إلى مدينة .. كانت تقول أن رائحة بيتنا مصنوعة من القرنفل وقشر البرتقال .. إنها رائحة مختلف .. تشمها الملائكة كل مساء .. لذلك لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة إن يسلبنا رائحتنا أو ألواننا . لكل بيت رائحته المميزة التي تعرفها الزوجة جيدا فهي رائحة البيت وهي السر فيها ثم تختفي هذه الرائحة وهذا التميز برحيل الزوجة فعندما رحلت الزوجة تدمر البيت واصبح حزر منفصلة حتي ان رائحة البيت اختفت فيقول ساءلت الأولاد عن رائحة المكان بعد أن رحلة زوجتي .. وكانت إجابات الأبناء مختلفة فلا احد يستطيع ان يميز رائحة البيت في غياب الام والزوجة حتي ان الزوج نفسه شعر بانه تائه ويقول القاص في العادة كنت أراه يظهر لي .. يسقط سقوط مدوي على البلاطات .. ويتحرك حركة عشوائية .. فأراه وأقبض عليه .. وأفرح به .. لكن الخطوات بدأت تبتعد رويدا رويدا .. هربت الفرحة الزائفة .. وأصبحت الخيبة أكثر وضوحا ..لذلك صرخت .. كنت واقفا في وسط البيت ، وصرخت هذا ما يحدث عندما تختفي الزوجة او ترحل تتحول الفرحة الحقيقية إلي فرحة زائفة ثم يكمل القاص قصته ويوضح لنا كيف اختلف البيت بعد رحيل الزوجة حتي أن كل ابن من الأبناء أصبح لا يهتم إلا بنفسه فقط وأصبح الانترنت وهو مكان الهروب من الواقع المحيط هو امل الأبناء وهو الحافز علي البحث عن المفتاح الذي ضاع برحيل الزوجة ونري هنا رؤية إبداعية جمالية مميزة للقاص وكأن القاص يخبرنا في قصته ان الزوجة هي مفتاح البيت إن غابت اختفت الفرحة واختفت رائحة البيت واختفت سعادته وأصبح جزر منفصلة وحتي لا اطيل عليكم احب ان احيي القاص الجميل محمد الليثي علي هذه القصة المميزة والجميلة التي تحمل رؤي فنية واسقاطات واقعية وفنيات غاية في الروعة والجمال دام مبدعي اسوان ودامت اسوان منبع الابداع .
                                                 بقلم الشاعر / أ حمد فخرى الاسوانى
أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع