قصة قصيرة بعنوان : الصدى الأصم


بقلم سيدة بن جازية
تعود أن يغادر فراشه باكرا متجها إلى المقبرة يرتل تراتيل العشق و الهيام على ضريحها منذ ما يزيد عن السنتين  هذا ما تناقله سكان الحي العتيق ثم يقصد المقهى في صمته المعهود يركن إلى الزاوية المظلمة يفتح الصحيفة يقلبها متفرسا عناوينها وصورها وكلما شده خبر تجرع وراءه رشفة من قهوته السوداء شديدة المرارة ثم يأخذ نفسا عميقا من سيجارته الملقاة على المرمدة لوقت طويل بعد احتباسها تعتمل في صدره تنهش رئتيه كوحش مدرب ثم ينفثها كثبا رمادية متناسقة المسافات، المقهى يعج بالحرفاء  و الزبائن لكن لا أحد يبادله التحايا أو يتجاذب معه أطراف الحديث كغريب وسط أهله. يمضي وقته المعهود ثم ينظر باستغراب في ساعته اليدوية ويهرول في اتجاه مقر عمله. لا يعلم  جيرانه لماذا يتجاهلهم ويقطع علاقته بهم  منذ مدة طويلة ولم يتجرأ أي منهم على سأله خوفا من استفزازاته أو احتقارهم. 

تمضغ المسكينة كل ذكرياتها وحيدة منعزلة فقد حذرها زوجها من مخالطة الجيران فلم تتجرأ على عصيان أمره،  لقد صبرت كثيرا وهي مستعدة لمزيد اصطبار تعزية لزوجها حتى يخرج من حالة الكآبة  و يستعيد عافيته  بل إنها تفكر أن تتصل بروحاني معروف  كي يفك كربة زوجها فتعيش معه حياة هانئة كمثيلاتها ، فهي منذ تزوجته تعلم أنها ستواجه المصاعب ومستعدة للتضحية في سبيل إنجاح قرارها الارتباط بأرمل.
لم تستطع كبح جماح نفسها في التواصل و البوح فاختار أن تهاتف  أمها  انساقت رغما عنها تشتكي لها همها  ووحدتها أمام قلة ذات اليد و حاجتها لتغيير المزاج  رغم تعنت زوجها.فوبختها وعاتبتها " ألم نقل لك غادري البيت و عودي إلى أهلك معززة مكرمة، لا خير في زوج يهمل زوجته ولا خير في زوجة أذلت نفسها باسم الحب و العشرة لن تكرسي حياتك ممرضة لهذا المريض النفساني عقده كثيرة وكلما تغاضيت عن واحدة برزت الأخرى أدهى و أمر ، عودي فلست بحاجة إلى مثل هذا المهمل لن نرضى عنك ما دمت مع هذا المعتوه المبتز الأخرق " 
انسكبت دموعها مدرارا لملمت شتات روحها و أتمت المكالمة دون توديع. وطفقت توبخ نفسها و تقرعها : مادهاك يا ابنة سيد الرجال حتى تقبلين البقاء مع زوج لا يتواصل إلا مع ذاكرته المقبورة، لم ينس حبيبته ولن ينساها ما دام القدر قد حرمه منها سيبقى يستدنيها في واقعه وأحلامه كأفضل الكائنات، إلى متى سيبقى غائبا عن الوعى وحتام التمس له الأعذار؟ لن أترك مصيري بين يديه ليس أهلا لذلك، لست مجبرة على البقاء وكرامتي مشروخة لم يعد مجال لرتقها، اليوم سأغادر، لا يربطني به أي شيء مادي أو معنوي طال حديثها مع ذاتها و زادت وساوس الشيطان و ارتفع صوت الصدى الأصم مجلجلا يقهر روحها يمزقها أشلاء  
توجهت زاهدة نحو غرفة نومها جمعت حقائبها وبعض حليها و وثائقها الرسمية ثم توجهت إلى غرفة نومه مزقت كل ملابسه وستائره بكل وحشية أتلفت صورا معلقة قبالة السرير للمرحومة ،  فتشت في دفاتره فوجدت كما هائلا من المخطوطات و المذكرات، انغمست في القراءة لساعات حتى أخذها النعاس أو تحت وقع الإغماء فلا أحد يهتم لأمرها في ذلك الوقت غير بقايا ثياب أو خرق و أخبار يبدو أنها لا تسر من اطلع عليها. 
عند مطلع الفجر عاد مترنحا كئيبا حزينا ما إن وطأت قدمه البيت حتى استيقظت مذهولة من المصير المرتقب. 
لم ينفعل أو يستغرب، بالعكس بدا له الأمر مذهلا، أخيرا هناك من تجرأ على طمس الماضي بصوره وملابسه و كراريسه وأثاثه ولأول مرة ضمها وبكى بكاء الأطفال وقد ترجاها أن لا تفشي أسراره ولا تبوح بما ضمته كتاباته  الى أحد. بكت معه بحرقة ندبت حظها ، لطمت خدها ،مزقت شعرها المنكوش و قد اختلط كحلها بدمها ودمعها راسما لوحة سيريالية شديدة الإبلاغ، إنها رسمة الأقدار وعبث الحظ حتى فقدت صوتها ثم أغمي عليها في انهيار بين يديه. 
لماذا فعلتها؟! 
لماذا قتلتها؟! 
أراد أن يقول كلمتين. أن يدافع عن نفسه و يبرر فعلته بيد أن جرأته قد خانته. لم تترك له المجال حتى يفسر لها أن ما يكتبه مجرد خيالات تتراءى له أو ربما كابوس مخيف يواجهه أثناء سكرته. 
تمتمت المسكينة : " أي دم بارد يجري في عروقك حتى تواصل العيش في مسرح الجريمة... الكل يعتقد أنك المثقف السامق تقترف أعتى الذنوب  ؟! خسئت و خسئت أعمالك." 
لا يذكر أحد من الجيران بعد سنوات سر هذه الشقة المنحوسة التى تصاب فيها ثلاث زوجات بنوبة قلبية و يبقى الزوج باحثا عن عروس من جديد لتعتني بشؤون البيت.
سيدة بن جازية تونس
أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع