فرح....بقلم عبير مدين ...جريده اهرامات الشرق المصريه .


فرح

بقلم عبير مدين

منذ سنوات وعقب وفاة والدتي انقطعت فترة عن زيارة بيت العائلة فقد كان يعز عليا  أن ادخله بعد وفاة والديا، 
و بعد إلحاح من شقيقي المتزوج والمقيم في البيت حملتني الشجاعة أن أزوره يوما و ياليتني لم أفعل.
وقفت السيارة الأجرة أمام الشارع الهادئ الراقي كعادتها طوال السنوات مشيت نفس الخطوات القليلة التي تفصل بيت عائلتي عن الشارع الرئيسي بخطى متثاقلة صعدت درجات السلم كعصفور مهاجر عاد للوطن، و وسط حفاوة استقبال اخي وزوجته جلست استرجع ذكريات الماضي بين غرغرة عيني بدموع الحنين و فرحة العودة قطع صوت غريب على هذا الشارع تلك اللحظات متضاربة المشاعر، لم اصدق ما اقتحم أذني من أصوات نشاز هززت رأسي لعلي غفوت، ومر بذهني حلم مزعج بعد قليل داعب انفي رائحة دخان سجائر ليس معروفا لي!، نظرت لأخي مذهولة هز رأسه بحزن و أسف وقال عندنا في الشارع فرح ازداد ذهولي وقلت فرح! مستحيل أن يكون جيراننا تغير ذوقهم!، جيراننا من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة و... لم نسمع لأحد منهم يوميا صوتا ولم نشم منهم إلا اطيب عطور و ارقاها، من منهم انحدر مستواه و يحتفل بمثل هذه الطريقة السوقية ؟! 
أسرعت تجاه الشرفة لعلي اعرف من منهم قام بهذا العمل المشين الغريب عن طبيعتنا لكن لم اجد احدا منهم، وجدت غرباء يفترشون الأرض ويضحكون وهم يتلفظون ألفاظا أكثر بشاعة من رائحة التبغ الذي يشربون، أصواتهم المنكرة أكثر قبحا مما يسمعون و يجبرونا أن نسمع رغما عنا.
وسط دهشتي وضع شقيقي يده على كتفي برفق فهو يعلم قدر صدمتي و اصطحبني للداخل بعد أن أغلق الباب، جلست وعيني كلها استفسارات لم اقوى على نطق واحد منها فقال بحنان هوني عليك يا اختي هؤلاء هم جيراننا الجدد، نظرت مصدومة وقلت ماذا؟! قال كل من استطاع الحصول على المال بطريقة أو بأخرى ظن أن السكن في مكان راقي سوف يغير أصله والنتيجة أصبحنا غرباء في شارعنا بعد أن هجره الجيران القدامى واحد تلو الآخر فرارا من موجة التدني هذه.
أصبح المكان خالي من المضمون ضاعت الهوية برحيل كل من خاف أن يجرفه  الطوفان.
ثم هربنا نحن أيضا هاجرنا بلا عودة حاملين الذكريات زادا و عونا لما هو قادم صنعنا لأنفسنا عالما خاصا بكل القيم التي تعلمناها في عش ما قبل الهجرة.
أخشى أن تتسرب رياح الإنهيار لعشنا الجديد.



أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع