أسباب نجاح الصحوه الاقتصاديه للقوات المسلحة المصرية بعد الثورة بقلم ابراهيم عطالله


أسباب ونجاح الصحوه الاقتصاديه للقوات المسلحة المصرية بعد الثورة بقلم ابراهيم عطالله
دفع خفض النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي للولايات المتحدة على مصر إلى جعل العلاقة العسكرية أقل أهمية بالنسبة إلى القاهرة. وهناك عاملان إضافيان ساهما في صحوة القوات المسلحة المصرية من سباتها في عهد السيسي. أولاً، لم تتطلّب استراتيجيته حول تحصين ثورته تحويل وتركيز طاقات الجيش إلى أنشطة اقتصادية إلى حد كبير. فبينما كان يقوم بتحسين الأدوار الاقتصادية والسياسية للجيش، سعى السيسي في الوقت نفسه إلى تعزيز قدرات الجيش على القيام بمهامه الأمنية. ويشمل ذلك إجراء بالغ الأهمية ألا وهو قابلية العمل البيني والتشغيلي للقوى المختلفة، مايتطلّب أن يكون لديه ثقة كبيرة بجيشه وقواته الجوية والبحرية ووحداتها المختلفة التابعة لها حتى يتسنى لهم العمل على نحو مشترك.

ويُشار إلى أن ثقة السيسي لاتستند في أساسها إلى الإحساس بالولاء المثالي أو المهنية المجرّدة، ولكن إلى خلفيته السابقة كمدير للاستخبارات العسكرية. كما أن لديه خبرة في مراقبة الضباط ودائرة واسعة من موظفين آخرين عملوا سابقاً في مناصب تشغيلية واستخباراتية. فهو كان في وضع جيد للغاية عندما جاءت فرصة ترقيته ليصبح وزيراً للدفاع في العام 2012، وكذلك عقب تولّيه سلطة الرئاسة  في 2013، ليضع أعوانه والموالين له في مناصب محورية وهذا في حد ذاته نجاحا مثل الاستخبارات العسكرية، والمخابرات العامة، وفي مناصب تشغيلية في الجيش الأول والثاني والثالث، وأخيراً رئيس الأركان ورئيس الحرس الجمهوري للرئيس. 

على النقيض من ذلك، كان مبارك ضابطاً في سلاح الطيران، ولم يكن له أي دور يذكر في الجيش الأكثر حيوية من الناحية السياسية. لذلك، لم يكن بمقدوره فرض سيطرة مباشرة عليه. أما السادات فكان في الأساس ضابطاً غير متفرغ، وخدم بشكل متقطع في الجيش لأنه سُجن مرتين بسبب أنشطته الوطنية قبل العام 1952. وبينما لم يكن للسادات ولا لمبارك خلفية أو روابط مؤسسية تجعلهما يثقان بقدرتهما على مراقبة الضباط، خاصة في جيش لديه طاقة كبيرة، فإن السيسي حائز على مثل هذه الأمور، لذلك هو أكثر استعداداً للمخاطرة بتمكين جيشه إلى درجة كبيرة، ليس فقط من الناحية السياسية والاقتصادية، بل أيضاً في مهامه الأمنية الحيوية.

يستند الدافع الثاني للتغيير إلى تدهور الوضع الأمني في مصر. فعلى الصعيد المحلي، بدأت أعمال التطرف العنيف تظهر عقب اندلاع انتفاضة العام 2011، التي انطلقت في شبه جزيرة سيناء لتمتد إلى أماكن عديدة داخل مصر، بما في ذلك الحدود الغربية مع ليبيا. وأجبر هذا التحدي الجديد الجيش المصري على أن يرفع من مستوى قدراته في مكافحة الإرهاب والسيطرة على الحدود إلى حد كبير، علماً أن موضوع الحدود كان مدفوعاً أيضاً بمخاوف على الحدود السودانية نتيجة تدهور العلاقات الثنائية والمطالبات المعنية بمثلث حلايب المتنازع عليه بين البلدين.

وفي العمق الأفريقي، دق بناء إثيوبيا لسد النهضة على النيل الأزرق ناقوس الخطر في مصر، وباتت في حاجة إلى عرض قوتها بعيداً عن حدودها. كما تطلبت زيادة عمليات تهريب البشر عبر البحر المتوسط الارتقاء بمنظومة مراقبة البحار. واحتاجت أيضاً القدرات البحرية الضعيفة نسبياً أن تتطوّر كي تستطيع حماية حقول الغاز المُكتشفة حديثاً في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وكذلك في البحر الأحمر وخليج عدن، وأن تستجيب للمنافسة المتنامية بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران والعديد من الدول الأفريقية، وهو ما يتضح جلياً من الحرب في اليمن والنزاعات حول حركة الدخول والخروج بالموانئ في الحديدة وجيبوتي وبربرة وعصب وأماكن أخرى.   

تزامن تدهور البيئة الأمنية في المنطقة مع تدهور البيئة المحلية. فقد أصبح النزاع في ليبيا وغزة متوطّناً بعد العام 2011، بينما انزلقت سورية واليمن على الجانب الآخر إلى حروب أهلية استقطبت العديد من جيران مصر. وقد أعطى ازدياد نفوذ روسيا في جميع أنحاء المنطقة وظهور تحرك وتحالف بقيادة السعودية والإمارات بهدف مواجهة إيران على المسارح المختلفة، بما في ذلك في سورية واليمن، فرصة لمصر للاستفادة من تلك المواجهات بالرغم من المخاطر المرتبطة بذلك. نتيجةً لهذا، احتاجت مصر إلى تطوير قواتها، خاصة أن هذه المهمة باتت أكثر جدوى من الناحية المالية بسبب الدعم المقدّم من مختلف الأطراف المتنازعة، كروسيا والسعودية، أو الدول الغربية المتلهفة لدعم صناعاتها العسكرية المحلية، وعلى الأخص فرنسا.  

تجلّت ردود الفعل المصرية، بل هذه التطورات، كانون الثاني/يناير 2018، حين وقّعت مصر على اتفاقية "مذكرة التفاهم في مجال الأمن وقابلية تبادل الاتصالات" والمعروفة بـ "سيزموا" (CISMOA) مع واشنطن. وتُعتبر هذه الاتفاقية شرطاً قانونياً من الولايات المتحدة لتزوّد الدولة الحليفة الموقّعة بأجهزة ونظم اتصالات مشفّرة، مايمكّنها من استخدام وسيلة الاتصال المباشر خلال الوقت الحقيقي والفعلي. ويتطلّب هذا الأمر من الدول الموقّعة أن تسمح بدخول أفراد وعناصر من الجيش الأميركي إلى مرافقها ونظم الاتصالات الخاصة بها. وكانت مصر قاومت سابقاً التوقيع على هذه الاتفاقية لمدة ثلاثين سنة، وتأخرت في الإعلان أنها قامت بذلك الأمر لمدة شهرين، على الأغلب بسبب خشيتها من ردود فعل سلبية محلياً، على الرغم من أن العديد من الدول العربية، بما في ذلك المغرب والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي الكبيرة، وقّعت في السابق على هذه الاتفاقية. وأفاد مصدر مطّلع في وزارة الدفاع بأن السيسي وافق في النهاية على التوقيع، ليس نتيجةً لضغط الولايات المتحدة وإنما استجابة لضغط السعودية لأن الطائرات المصرية على الساحة اليمنية لايمكنها الاتصال بنظيرتها السعودية، وبالتالي تعرّضها إلى الخطر.

يتمحور السبب الثالث حول الضغوط المتزايدة للولايات المتحدة، التي لاتزال المزوّد الرئيس للمساعدات العسكرية في مصر.  وتأتي هذه الضغوط نتيجةً للآتي:

قلقها المتزايد من تحديات الأمن الداخلي في مصر.
قلقها من أن الارتقاء بقدرات القوات الجوية المصرية قد يهدّد إسرائيل أو أنها ستعارضه.
رغبتها في أن تساهم مصر بفعالية أكبر في تأمين النظام الإقليمي القائم في المنطقة.
أملها بأن علاقتها الأمنية الحيوية مع مصر لن يتم تقويضها من قبل روسيا أو فرنسا أو أي منافس آخر لها.
إحباطها من فشل مصر في الاستفادة على نحو واف من الفرص التي يوفّرها برنامج المساعدات العسكرية الأميركية لما يقرب من أربعين عاماً.
أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع