أحمد عبد الصبور : تمصير الأعمال الأجنبية سلاح ذومن تقديم الإعلامية " نهى مروان " جريده اهرامات الشرق المصريه


أحمد عبد الصبور : تمصير الأعمال الأجنبية سلاح ذو حدين بين إثراء الفن وتهديد قيم المجتمع والهوية المصرية 

كتبت - ولاء مصطفى 

إستضافت قناة الفضائية المصرية الناقد الفني " أحمد عبد الصبور " في برنامج " سهرة مع " وحلقة بعنوان " الإقتباس والتمصير في الفن " من تقديم الإعلامية " نهى مروان " ، ومن إعداد " ا/ رشا أحمد " ومن إخراج " هيثم التاجي " .

وقد دار الحوار في الحلقة عن الإقتباس و التمصير في الفن بداية من المسرح المصري منذ عام ١٨٧٠ الذي إتجه إلى فكرة الإقتباس و التمصير من الأعمال المسرحية العالمية و خاصة الفرنسية منها في ذلك الوقت .

كما دار الحديث حول فكرة التمصير و الإقتباس و مدى الإستفادة من الروايات و الأعمال العالمية وإعادة تقديمها بـ طابع مصري شرقي . 

وتطرقت الحلقة تحديداً عن الثنائي " بديع خيري " و " نجيب الريحاني " و ما قدموه للمسرح المصري من أعمال تم إقتباسها من أعمال فرنسية وتحويلها إلى شكل كوميدي إجتماعي . 
وكذلك أشارت الحلقة على دور نجوم التمصير مثل : بيرم التونسي ، وتوفيق الحكيم ، وقبلهم جميعاً " يعقوب صنوع " ... ومن " يعقوب صنوع " إلى " بديع خيري "و " نجيب الريحاني " وأيضاً " يوسف وهبي " والذين أتقنوا فن الإقتباس وقدموا أعمال مسرحية كثيرة تم تمصيرها ...  وقد دار الحديث عن دورهم الريادي في هذا المجال .

وفي البداية أوضحت الحلقة ما الفرق بين الإقتباس والتمصير ؟ حيث أوضحت أن كثير من الكتب قد رصدت تاريخ التمصير في المسرح المصري وخاصة منذ بدايات " يعقوب صنوع " عام ١٨٧٠ وحتى الحرب العالمية الثانية عام 1945 ... وإن مثل هذه الكتب والدراسات تعد وثيقة هامة على ريادة المسرح المصري في تمصيرالأعمال العالمية . 

وقد نوهت الحلقة على أن التمصير من أهم ظواهر المسرح المصري وقد طرحت التساؤلات على أن السينما أيضاً هل إقتبست بنفس مستوى المسرح ؟ وهل التمصير والإقتباس له أنواع مثل تحويل مسرحيات " موليير " إلى زجل عامي وكذلك من أعمال جادة إلى كوميديا إجتماعية ... وما هى أسباب الإقتباس ؟ 

وقد تطرقت الحلقة لنماذج  التمصير مثل : " بيومي أفندي " لـ " يوسف وهبي " عن مسرحية " الأب ليبونار " لـ " جان إيكار " والتي عرضت على مسرح رمسيس عام 1933 م .

ومسرحية " ١٠٠ فرنك فرنسي لليوم " وتحويل " بديع خيري " لها لـ مسرحية " الدنيا لما تضحك " حيث قدمها " نجيب الريحاني " عام 1934 م ، وهي مأخوذة من الأصل الفرنسي " la petite chocalatiere  " للكاتب " بول كافو " ومسرحية " الدلوعة " عن مسرحية للكاتب " بول كافو " .

وأكدت الحلقة على أن تمصير الأعمال الفنية في بادىء الأمر كان نوع من الإثراء الفني والإنفتاح الثقافي . 

ولكن أثارت الحلقة سؤلاً هاماً وهو أن كيف أن يؤثر الإقتباس أو التمصير على قيم المجتمع والهوية المصرية حيث أن البعض يرى أنه يمكن أن يؤثر بالسلب ؟؟؟ أم أن الكاتب يملك أن يتناول الجوانب الإيجابية فقط منه .

إن السينما أيضاً إتجهت إلى الإقتباس مثل فيلم " دموع الحب " عام 1935 م لـ " محمد عبد الوهاب " مع المطربة " نجاة علي " وهو مأخوذ عن قصة إسمها " تحت ظلال الزيزفون " وهذة القصة قام بتعريبها الأديب المصري " مصطفى لطفي المنفلوطي " عن قصة فرنسية إسمها " مجدولين " لـ " ألفونس كار " وأخذت الملابس من مسرحية " روميو و جولييت " .

وفيلم " الغيرة القاتلة " عام 1982 م للمخرج " عاطف الطيب " وهو مقتبس من العمل الأدبي لـ مسرحية " عطيل " لـ " شكسبير " .

وفيلم " إستاكوزا " عام 1996 م وهو مقتبس من مسرحية " ترويض النمرة " لـ " ويليام شكسبير " .

كما تحدثت الحلقة عن أهم الأعمال المسرحية التي تم تمصيرها مثل الملك لير ... وهامليت ... وعطيل .

وقد وجهت أسئلة في الحلقة للناقد الفني " أحمد عبد الصبور " منها :
هل تختلف طريقة الإقتباس والتمصير بين المسرح والسينما وتحديداً في الكتابة و نقل الفكرة ؟
هل زيادة نسب الإقتباس تعني وجود قله من المؤلفين المبدعين أم لا ؟ 
" شكسبير " و " موليير " تحديداً ... لما هما الأقرب في الإقتباس من أعمالهم  ... وهل تتفق مع الرأي القائل إن شخوص " موليير " قريبة الشبه من المصريين ؟

وقد تحدث الناقد الفني " أحمد عبد الصبور " قائلاً :
إن تمصير الأعمال الأجنبية سلاح ذو حدين بين إثراء الفن وتهديد قيم المجتمع والهوية المصرية .

فمنذ نهايات القرن التاسع عشر حتى الأمس القريب تثور قضية إقتباس الأعمال الفنية الأجنبية ووضعها في قالب مصري وهنا يجب أن نطرح على أنفسنا عدة أسئلة ... هل يعد ذلك سرقة أم إقتباساً ؟ وهل يمثل هذا التمصير لعمل أجنبي تهديداً لقيمنا أم هو إنفتاح على العالم الواسع ؟ وربما لا يعرف كثيرون أن كل المسرحيات التي قدمها مسرحيون كبار مثل : يوسف وهبي ونجيب الريحاني وغيرهما ، كانت مقتبسة من أعمال غربية ، وكانت معظمها مسرحيات فرنسية . 

إن الإقتباس ظاهرة متجذرة في تاريخ المسرح ، الرومان – مثلاً - بعد إنتصارهم على الإغريق في الحرب البونية عام ٢٤١ ق . م نقلوا عنهم فن المسرح ، وبدأ المسرح الروماني بترجمة المسرحيات من اليونانية إلى اللاتينية ، وتقديمها كما هي .

ثم جاءت مرحلة إضفاء الروح الرومانية على المسرحيات اليونانية ، مثلاً الكاتب " سينيكا " الروماني تأثر بمؤلفي التراچيديا في اليونان ، مثل : " إيسخيلوس " و " يوربيديس " و " سوفوكليس " وأضاف على المسرحيات فلسفة الرواقيين ، وهناك الكاتب الروماني " بلاوتوس " الذي أثر في " شكسبير " و " موليير " هو أيضاً تأثر بمؤلفي الكوميديا اليونانية ، مثل : " أرستوفانيس " و " ميناندر " .

وفي عصر النهصة تأثر الكاتب الإيطالي " كارلو جولدوني " بموليير الفرنسي وهكذا الشعوب تتأثر بفنون بعضها البعض على مر التاريخ لكن الأهم من أن تستلهم من فنون الآخرين هو أن تضع بصمتك وهويتك داخل الفن .

وعرفت مصر المسرح منذ فجر التاريخ حيث المسرحية الأوزيرية المستلهمة من أسطورة " إيزيس وأوزوريس " لكنها عرفت المسرح بشكله الأوروبي عن طريق الحملة الفرنسية فتأثر المصريون بالمسرح الفرنسي وإقتبسوا عنه .

إن التمصير في المسرح المصري خاصة في الفترة ما بين " يعقوب صنوع " عام ١٨٧٠ وحتى الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ كان له أثر كبير من السياقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية المرتبطة بهذه المسرحيات طبقاً لنظرية الإنعكاس التي وضعها " جورج لوكاش "الذي يؤكد من خلالها أن المسرح مرآة للمجتمع . 
ولعل أكثر ما يلفت الإنتباه في تلك الفترة هو تأثر المسرح المصري بالفرنسي وكذلك يجب لفت الإنتباه عن دور الصحافة مع الترجمة والتعريب والتمصير في أواخر القرن الـ ١٩ ، حتى جائت فترة ثورة ١٩١٩ والتي إرتبط التمصير فيها بالقومية المصرية . 

إن أشهر من خاضوا تجربة التمصير هم : " يعقوب صنوع " و " محمد عثمان جلال " و " عزيز عيد " و " أمين صدقي " و " نجيب الريحاني " و " بديع خيري " و " يوسف وهبي " و " عباس علام " و " توفيق الحكيم " و " محمد يونس القاضي " و " إبراهيم رمزي " .

إن آراء النقاد المعاصرين في عروض المسرحيات المقتبسة والتي تم تمصيرها قد إختلفت ، حيث تم الهجوم الشديد على بعض المسرحيات المعروضة آنذاك ، وكان الهجوم من منطلق أخلاقي ، خصوصاً أنه في تلك الفترة كان يتم النظر للمسرح على أنه مدرسة لتعليم الأخلاق والقيم ومساهم في الإصلاح وليس مجرد تسلية .

إن قضية الإقتباس وآراء النقاد عنها تثير دائماً الجدل والتساؤلات ، ما بين مؤيد ومعارض ، إن البعض يرى أنها سرقة أدبية ، والبعض الآخر يرى أنه لا عيب في الإقتباس والتمصير . 

في فترة الحرب العالمية الأولى تم زيادة الإهتمام بالترجمة والتمصير من مسرحيات كوميدية بما يتناسب مع بنية المجتمع المصري في تلك الفترة وظهر تأثير ذلك على جمهور المسرح ... وكانت المسرحيات الممصرة بداية من إختيار مسرحيات فرنسية تتناسب مع البيئة المصرية ، وقد تم تغيير أسماء الشخصيات والأماكن إلى المصرية ، وإبداع شخصيات من البيئة الشعبية والمتوسطة وغيرها من الظواهر بما يتناسب مع قضايا عصرهم ومشكلات مجتمعهم ، ولكن يعاب على ذلك أن بعض الكتاب لم يذكروا أسماء المسرحيات الأصلية التي إعتمدوا عليها ، ما جعل الناقدة " روزا اليوسف " تعتبر ذلك سرقة أدبية وليس مجرد إقتباس .

وكذلك نلاحظ في تلك الفترة أيضاً تمصير الأوبريت والأوبرا ، ومن أهم الأعمال التي تم تمصيرها ، أوبريت « المدينة المسحورة » للكاتب " محمد عبد القدوس " ، ومصّرها عن مسرحية غنائية للكاتب " ماردوس نيبوني " ، وهي مقتبسة من حكاية « معروف الإسكافي » في « ليالي ألف ليلة وليلة » ، وأوبريت « علي بابا » لـ " توفيق الحكيم " ، عن مسرحية لألبرت فانلو ووليام بوسناك ، وكتب لها الأزجال " بديع خيري " ، وجرى عرضها فى مسرح الأزبكية عام ١٩٢٦ م .

وقد إعتمد « توفيق الحكيم » على رسم شخصيات مصرية ، ويحتوى النص على إشارات لتمجيد المصري وإعتمد على الفكاهة اللفظية وعادات شعبية مثل قذف العروسين بالملح درءاً للحسد وترديد عدد خمسة وحذف بعض المشاهد لإعتبارات دينية وإجتماعية وفنية ، وإضافة الأمثال والتعبيرات الشعبية . 

وكذلك « أوبريت شهرزاد » ، الذي مصّره " عزيز عيد " ، وكتب أغانيه " بيرم التونسي " ولحنه " سيد درويش " ، ويعبر هذا الأوبريت عن مرحلة تأثر المؤلفين المصريين بالرومانسية التي إرتبطت بالشعور بالهزيمة العربية وخسائر الحرب العالمية الأولى ، وسيطرة الأجانب على مناصب عليا في الجيش ، ما إنعكس في الأوبريت . 

كان التمصير في المسرح المصري مرتبطاً بسياق إجتماعي وثقافي وإقتصادي إرتبط بأحداث محورية مثل : الإحتلال الفرنسي والإنجليزي والتركي والحربين العالميتين الأولى والثانية ، وإذ إنه لا يوجد تراث مسرحي مصري ، لجأ المؤلفون المصريون إلى الإقتباس من المسرح الفرنسي لكن السؤال الذي يجب أن نقف عنده ونسأله لأنفسنا : لماذا يتم التمصير والإقتباس حتى الآن بطريقة فجة ، على الرغم أننا نملك مؤلفين مبدعين قادرين على تقديم إبداع مصري خالص .

أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع